نصر حامد أبو زيد

217

الاتجاه العقلي في التفسير

لا بدّ أن يتحقق للمخطئ ، والوعد لا بدّ أن يتحقق للمحسن . أمّا الخطأ والاحسان فهما من اختيار الانسان ومن فعله . ولقد سبقت الإشارة إلى البعد الاجتماعي والسياسي لهذه القضية في الفكر الاسلامي عامة . وهذا أمر يعود القاضي عبد الجبار ليؤكّده في القرن الرابع « إن أول من قال بالجبر وأظهره معاوية ، وأنه أظهر أن ما يأتيه بقضاء اللّه ومن خلقه ، ليجعله عذرا فيما يأتيه ، ويوهم أنه مصيب فيه ، وأن اللّه جعله إماما وولّاه الأمر ، وفشا ذلك في ملوك بني أمية » 241 ويذهب القاضي إلى الزام القائلين بالجبر والمدافعين عنه الزامات شنيعة ، أهمها أن القول بالجبر يؤدّي إلى انهيار النظام الاجتماعي أولا ، وإلى هدم قانون السببية ثانيا ، وإلى هدم الشرع والدين ثالثا . فمسئولية الانسان في المجتمع تحتم كونه مختارا حرا . أمّا القول بأنه ليس حرا ولا مختارا ولا فاعلا فهو قول يناقض العرف والعادة « ويجب ، على قولهم ، أن لا يحسن نصب الأئمة والأمراء لأنهم إنما ينصبون لمنع الظالم عن ظلمه ، والانتصاف منه للمظلوم ، والزام الأحكام ، والقيام بالحدود ، وكل ذلك إنما يصحّ متى كان للعبد فعل واختيار . فأمّا إن كان تعالى هو الخالق لأفعالهم فيهم ، فكيف يعاقبون عليها ؟ وكيف يؤدب الفاعل ، ويعزر ويقوم ويؤخذ لمظلومه منه ، ويكف عن الظلم بالتخويف » 242 . وإذا كان القول بأن فعل الانسان لا يتعلق به سيؤدي إلى انهيار النظام الاجتماعي ، فإنه من جانب آخر سيؤدي إلى انهيار قانون السببية الذي يقوم عليه العالم ، ذلك أن نسبة أفعال العباد إلى اللّه القادر على كل شيء تحيل تعلق المسببات بأسبابها إذ « يصح أن يقع ما يحتاج فيه إلى الآلة بلا آلة ، لأنه تعالى لا يحتاج في خلق الصعود في زيد إلى السلم ، والطيران في الطير إلى الجناح ، والكتابة في الورق إلى القلم واليد . فكان يجب أن تكون الآلات ، وجودها كعدمها ، في أنه لا يحتاج إليها البتة . وكان يجب أن لا يخل فقدها بتعذر ما هي آلة فيه ، حتى يكون الزمن بمنزلة الصحيح في الأفعال ، والضرير كالبصير فيها ، بل لا يمتنع أن يكون تعالى قد أجرى العادة ، في بعض البلاد وبعض الأوقات ، أن المفقود من الآلة يصح منه ما يتعذر على كامل الآلة ، من حيث يخلق تعالى الفعل فيه دون وافر الآلة » 343 . ولا يكتفي القاضي بذلك ، بل يذهب إلى القول بأن نسبة أفعال العباد للّه تعالى تؤدّي إلى فساد الشرع والدين لأنه « لو كان تعالى هو المخترع لفعل العباد ، لم يخل ما يقبح من العبد أن يقبح من اللّه تعالى أو يحسن منه . لأنه لا يصح أن يقال ، مع علمه به ، أنه لا يحسن منه ولا يقبح ، لأن ذلك يؤدي إلى تجويز مثل ذلك في